تقرير بحث السيد الخوئي للفياض

299

محاضرات في أصول الفقه ( موسوعة الإمام الخوئي )

علّة محدثة ومبقية ماً كما تقدّم . وكيف ما كان ، فلا أثر للقول بأنّ المشتق وضع للأعم أو للأخص ، إذ على كلا التقديرين كانت الأحكام في فعليتها تابعة لفعلية العناوين المأخوذة في موضوعاتها ، وبانقضائها وزوال التلبّس عنها تنقضي بتاتاً . ومن هنا لم يلتزم الفقهاء بترتب أحكام الحائض والنفساء والمستحاضة والزوجة وما شاكلها بعد انقضاء المبدأ عنها ، حتّى على القول بكون المشتق موضوعاً للأعم ، بل لم يحتمل ابتناء هذه المسائل وما شابهها على النزاع في مسألة المشتق ، فتصبح المسألة بلا ثمرة مهمّة . وما نسبه شيخنا الأُستاذ ( قدس سره ) ( 1 ) إلى الفخر الرازي غير صحيح ، من أنّه اعترف بدلالة الآية الشريفة على عدم لياقة الخلفاء الثلاثة للخلافة الإلهية أبداً ، لأنّهم كانوا عابدين للوثن في زمان معتد به ، وفي ذلك الزمان شملهم قوله تعالى : ( لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ ) فدلّت على عدم اللياقة إلى الأبد ( 2 ) .

--> ( 1 ) أجود التقريرات 1 : 121 . ( 2 ) وإليك نص كلامه : المسألة الرابعة : الروافض احتجوا بهذه الآية على القدح في إمامة أبي بكر وعمر من ثلاثة أوجه : الأوّل : أنّ أبا بكر وعمر كانا كافرين ، فقد كانا حال كفرهما ظالمين ، فوجب أن يصدق عليهما في تلك الحالة أنّهما لا ينالان عهد الإمامة البتّة ، وإذا صدق عليهما في ذلك الوقت أنّهما لا ينالان عهد الإمامة البتّة ولا في شيء من الأوقات ، ثبت أنّهما لا يصلحان للإمامة . الثاني : أنّ مَن كان مذنباً في الباطن كان من الظالمين ، فإذن ما لم يعرف أنّ أبا بكر وعمر ما كانا من الظالمين المذنبين ظاهراً وباطناً وجب أن لا يحكم بإمامتهما ، وذلك إنّما يثبت في حق من تثبت عصمته ، ولمّا لم يكونا معصومين بالاتفاق وجب أن لا تتحقق إمامتهما البتّة . الثالث : قالوا كانا مشركين ، وكل مشرك ظالم ، والظالم لا يناله عهد الإمامة فيلزم أن لا ينالهما عهد الإمامة ، أمّا أنّهما كانا مشركين فبالاتفاق ، وأمّا أنّ المشرك ظالم فلقوله تعالى ( إنّ الشِّرك لَظُلم عظِيم ) وأمّا أنّ الظالم لا يناله عهد الإمامة فبهذه الآية . لا يقال : إنّهما كانا ظالمين حال كفرهما ، فبعد زوال الكفر لا يبقى هذا الاسم . لأنّا نقول : الظالم من وجد منه الظلم ، وقولنا وجد منه الظلم أعم من قولنا وجد منه الظلم في الماضي أو في الحال ، بدليل أنّ هذا المفهوم يمكن تقسيمه إلى هذين القسمين ، ومورد التقسيم بالتقسيم بالقسمين مشترك بين القسمين ، وما كان مشتركاً بين القسمين لا يلزم انتفاؤه لانتفاء أحد القسمين ، فلا يلزم من نفي كونه ظالماً في الحال نفي كونه ظالماً . والذي يدل عليه نظراً إلى الدلائل الشرعية : أنّ النائم يسمى مؤمناً ، والإيمان هو التصديق ، والتصديق غير حاصل حال كونه نائماً ، فدلّ على أنّه يسمى مؤمناً لأنّ الإيمان كان حاصلاً قبل ، وإذا ثبت هذا وجب أن يكون ظالماً لظلم وجد من قبل . وأجاب عنه بقوله : كل ما ذكرتموه معارض بما أنّه لو حلف لا يسلّم على كافر فسلّم على إنسان مؤمن في الحال إلاّ أنّه كان كافراً قبل بسنين متطاولة ، فانّه لا يحنث ، فدلّ على ما قلناه ولأنّ التائب عن الكفر لا يسمّي كافراً ، والتائب عن المعصية لا يسمّي عاصياً ، انتهى كلامه ، تفسير الرازي 4 : 45 - 46 . وغير خفي : أنّ ما ذكره من الجواب عن دلالة الآية أجنبي عنها بالكلية ، بل هما في طرفي النقيض ، وذلك لأنّ دلالة الآية المباركة على الحكم المذكور مبنية على وجوه ثلاثة : الأوّل : مناسبة الحكم والموضوع ، فانّها تقتضي بقاء الحكم أبداً . الثاني : الاتيان بصيغة المضارع وهي كلمة « لا ينال » وعدم توقيتها بوقت خاص ، فهي على هذا تدل على بقاء الحكم واستمرارها حتّى بعد زوال التلبس . الثالث : ما ورد من نظائره في الشريعة المقدسة ، فانّه يدل على أنّ بقاء هذا الحكم في الآية المباركة وعدم زواله بزوال المبدأ أولى . ومن الواضح أنّ شيئاً من هذه الوجوه الثلاثة لا تجري فيما ذكره من الجواب ، بل المتفاهم العرفي كما عرفت من الأمثلة التي ذكرها هو أنّ الحكم يدور مدار العنوان حدوثاً وبقاءً على عكس المتفاهم من الآية الكريمة . على أنّ النذر تابع لقصد الناذر في الكيفية والكمّية ، وأجنبي عن دلالة اللفظ وظهوره في شيء .